سميح عاطف الزين
457
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وإثباتا لأمر اللّه تعالى ، نزل المهاجرون في أرض الحبشة ، فأقاموا آمنين ، بعيدين عن أي خوف أو حقد أو بطش يلاحقهم به الكفار . . ولقد يسّر اللّه - سبحانه وتعالى - أحوالهم ، فوجد بعضهم عملا يكسب منه رزقه ، ومن لم يجد عملا ، أعانه إخوته من ذوي اليسر والغنى ، ( كما كان يفعل عثمان بن عفان ، صاحب المال والنعمة ) ، فعاشوا ، تلك الفترة ، وحدة إسلامية متماسكة ، يساعدون بعضهم بعضا ، ويذودون عن بعضهم البعض ، حتى أمكنهم أن يؤمّنوا لأنفسهم حياة كريمة ، متواضعة . ولم تكن لهجرة هؤلاء المسلمين أية أصداء في أرض الحبشة الواسعة ، نظرا لقلة عددهم ، وعدم ظهورهم بما يلفت الأنظار إلى هجرتهم ووجودهم . . ولكن ، وإن لم تظهر للهجرة دلائل معينة ههنا ، إلّا أن برهانها قد سطع في مكة ، وغايتها أذهلت قريشا . ذلك أن المسلمين حريصون على التمسك بدينهم ، متفانون في سبيل هذا الدين ، ومستعدون لاحتمال المشاق والخسائر في سبيله ، كما هو الحال في ترك أعمالهم ، وهجر أهاليهم ، والابتعاد عن ديارهم . ولكن هذا السلوك الإسلامي في الوفاء والتضحية هل تفكّر فيه قريش وتظهر لها الحقيقة التي لا مناص منها ، وهي أن الدين الجديد ما أنزله اللّه سبحانه وتعالى إلّا ليبقى ، مهما تألّبت قوى الشر عليه ، ومهما قامت في وجه أتباعه ومريديه العقبات والصعاب ؟ إنه عطاء في ذراه الإيمانية والإنسانية . ولقد كان على قريش أن تدرك معناه ، وأن تعي ما يقدمه المسلمون بهجرتهم من بلادهم . . ولكنها أعمت بصيرتها عن ذلك كله ، فظلت على نفس الوتيرة من